محمد جمال الدين القاسمي

55

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فقال : هذه بتلك . وكان صلى اللّه عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها . وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد . يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار . وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام . يؤانسهم بذلك صلى اللّه عليه وسلم . وقد قال اللّه تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . انتهى . وقال الغزاليّ في ( الإحياء ) في ( آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح ) : الأدب الثاني - حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ، ترحما عليهن ، لقصور عقلهن . قال اللّه تعالى : وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ : وقال في تعظيم حقهن : وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [ النساء : 21 ] . وقال تعالى : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [ النساء : 36 ] . قيل : هي المرأة . ثم قال : واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها ، والحلم عند طيشها وغضبها ، اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام ، وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل . وراجعت امرأة عمر عمر رضي اللّه عنه فقال : أتراجعيني ؟ فقالت : إن أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يراجعنه ، وهو خير منك . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لعائشة « 1 » : « إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عليّ غضبى . قالت . فقلت : من أين تعرف ذلك ؟ فقال : أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين : لا . ورب محمد ! وإذا كنت غضبى قلت : لا . ورب إبراهيم ! قالت . قلت : أجل . واللّه ! يا رسول اللّه ! ما أهجر إلا اسمك » . ثم قال الغزالي : الثالث - أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة . فهي التي تطيب قلوب النساء . وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال . حتى روي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما وسبقها في بعض الأيام . فقال صلى اللّه عليه وسلم : هذه بتلك . قال العراقيّ : رواه أبو داود « 2 » ، والنسائي في ( الكبرى ) وابن ماجة في حديث عائشة بسند صحيح . و قالت عائشة رضي اللّه عنها : سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : النكاح ، 108 - باب غيرة النساء ووجدهن . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 61 - باب في السبق على الرجل ، حديث 2578 .